Les Cendres du Phoenix

14 June 2009

المعرفة ما بعد المنطقية. بليز باسكال: الشعور وبراهين القلب


في سبيل عقلانية منفتحة (7)

بقلم روبير شعيب

روما، الخميس 21 مايو 2009 (Zenit.org). – "هذا هو سري. إنه بسيط جدًا: وحده القلب يجيد النظر. فالأمور الجوهرية تخفى على العيون" (أنطوان دو سانت أكزوربري، الأمير الصغير).

بعد أن اعتبرنا أبعاد الحقيقة في المفهوم المسيحي لا يصعب علينا أن ندرك أن العقل الحسابي وحده لا يكفي. يكفي أن نفكر بواقع الحب البشري لندرك أن عقلنا وحده ليس كافيًا لكي ندرك هذا الواقع الملموس الذي نعيشه: واقع الحب؛ بين الأم وابنها، بين الرجل والمرأة، بين الأصدقاء، نحو الطبيعة، نحو الفن...

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يستطيع الإنسان أن يتوصل إلى معرفة كافية للوقائع التي تتجاوز طبيعيًا قدرات العقل وحده؟ كيف يمكننا أن نتخطى العقلية لندرك العقلانية دون أن نضحي لا عقلانيين؟

الجواب يأتينا من مفكرين هامين حاولا على مدى حياتهما أن يجدا جوابًا على هذا السؤال: الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال (Blaise Pascal)، وجون هنري نيومان (John Henry Newman)، الإنكليزي المرتد عن الطائفة الأنغليكانية إلى الكاثوليكية.

باسكال: الشعور (sentiment) وبراهين القلب (raisons du cœur)

لقد كان الرياضي والمفكر بليز باسكال نبويًا في اكتشافه أن الطريقة الرياضية التي أضحت مشهورة بفضل ديكارت لا يتنطبق على أطر الخبرة الشخصية، على الماورائيات وعلى الإيمان، لأن هذه الوقائع تعنى بأمور تتجاوز إدراك العقل. واكتشف باسكال أن هناك "حواس" أخرى للوصول إلى معرفة وافية في هذه الحقول.

حقيقة الإيمان يدركها الإنسان عبر القلب، لأنها حقائق يدرك منطق وبرهان القلب، وللقلب براهين لا يدركها العقل، وهو أمر نخبره في آلاف الأشياء (Pensées, 477). بالنسبة لباسكال: "القلب هو الذي يشعر بالله لا العقل. وهذا هو الإيمان: الله حساس أكثر نحو القلب، لا نحو العقل" (Pensées, 481).

ولكي يوضح بشكل أفضل "براهين القلب"، يتساءل باسكال بنوع من سخرية: "ألعلك تبدأ بمحبة ذاتك انطلاقًا من عقلك؟" (المرجع نفسه، 447).

من خلال هذا التمييز بين قدرات العقل وقدرات القلب، يحاول باسكال أن يتخطى سبلاً مقطوعة أدخل فيها ديكارت الفلسفة والفكر: مذهب العقلية، مذهب النفعية، والفلسفة المنفصلة. ويحاول في الوقت عينه أن يقدم هيكلية أنتروبولوجيا متكاملة (راجع M. Leclerc, La destinée humaine. Pour un discernement philosophique, Namur 1993).

بحسب باسكال لا يمكن فصل التفكير عن الخبرة الحياتية، فالمعرفة العقلية الحقة هي ربط وثيق بين العيش والتفكير، بين العقل والقلب، بين شعور القلب وإدراك العقل؛ وفي هذا الإطار، يقدم باسكال تمييزًا هامًا آخر: بين "روح الإبداع" (esprit de finesse) و "روح الرياضيات" (esprit de géométrie). فروح الإبداع هو روح جمالي حساس لا يستعرض الوقائع انطلاقًا من نفعيتها، بل يقف أمامها بموقف مجانية يسمح لها بأن تكون وبأن تزهر. نجد في هذا الإطار خبرة الحب، خبرة الإيمان، خبرة الصداقة، خبرة الذوق الجمالي والفني. إنها خبرة الإيمان الذي يصفه اللاهوتي الكندي برنارد لونرغان بـ "المعرفة التي تولد من الحب الديني". فبراهين القلب هي "تجاوب قصدي مع القيم"، وهي مرحلة من مراحل الاعتراف بالقيم التي تذهب أبعد من العقل النفعي والمخبري. العقل يستطيع فقط أن يتعرف على القيم، وحده القلب يتوصل إلى الاعتراف بها، بما في ذلك "قيمة" الآخر المتسامي، والدخول في إطار العشق الإلهي الذي هو إطار معرفة يتوصل إليه المرء من خلال تمييز القيم في الحب.

هذا ويدرك باسكال أيضًا أن معرفة الله، إضافة إلى كونها خبرة حب هي أيضًا هبة مجانية من الله. وحده الله يسمح للإنسان أن يتعرف عليه. ولذا يعتبر باسكال أن الإنسان يبدأ بالتفتيش عن الله فقد عندما يكون الله قد وجده (إذا جاز التعبير!). يقول باسكال على لسان المسيح: "ما كنتَ لتبحث عني لو لم أكن قد وجدتُك". وفي مكان آخر: "الإيمان هو هبة من الله. لا تظنوا أننا نقول بأن الإيمان هو هبة التفكير!" (480 Pensées, ).

الشعور

هذا ويتحدث باسكال أيضًا عن "الشعور"، ويصرح بأن "كل تفكيرنا يصل إلى غايته عندما نفسح المجال للشعور" (Pensées, 474). من الأهمية بمكان هنا أن نفهم ما يعنيه باسكال بكلمة شعور، مخافة أن نسيء فهم فلسفته وفكره إذا ما خلطنا بين "الشعور" والأحاسيس العابرة والمتقلبة.

الشعور بالنسبة له هو واقع حدسي، مباشر، وليس واقعًا إنعكاسيًا. الشعور ليس الحس، بل هو نقطة انطلاق لما يمكننا أن نسميه أيضًا أسس العلوم الحسابية. فالإنسان يدرك من خلال شعوره مباشرة ودون تفكير تحليلي أو انعكاسي مبادئ الرياضيات، ولا يحتاج لبراهين أخرى إضافية. مبادئ الرياضيات تحمل براهينها بحد ذاتها ولا يمكن إدراكها بطريقة تحليلية ثانوية. لا يمكننا أن نحلل 1 + 1 = 2. بل متى ما أدرك العقل هذا الأمر، لا يستطيع إلا أن يقر به. والأمر كذلك بالنسبة لمجموع زوايا المثلث المساوي 180 درجة. متى ما أدرك العقل ذلك، لا يستطيع أن يتوصل إلى براهين أخرى...

ويتابع باسكال التفكير: "للقلب أحكامه، تمامًا كما أن للعقل أحكامه؛ وهذا الأخير يعمل انطلاقًا من مبادئ وبراهين" (Pensées, 72). أما الشعور فهو يدرك الكلية، الغشطالط الذي تحدثنا عنه في مقالة سابقة. العقل لا يستطيع أن يستوعب في مفهوم واحد مكنونات وإدراكات الشعور، أما هذا الأخير فهو يستطيع أن يدرك الوقائع بنظرة شاملة (voir d’une vue) (راجع: Pensées, 23).

الشعور هو الحدس الكلي، هو ما يسميه لونرغان (insight)، الذي يسمح للمرء أن يصل إلى الوقائع بشكل فوري، بديهي، علمًا بأن كلية الوقائع هي دائمًا أكثر من مجموع الوقائع المفردة!

هذا ويجب أن نقرّ بأن الإدراك الشعوري، وأن براهين القلب تتأثر بالواقع الثقافي والحضاري الذي يعيش فيه الإنسان، الأمر الذي يضطرنا إلى الحديث عن "المخيلة الشخصية" (المختلفة عن الخيال)، وعن الاستعدادات السابقة، عن الفسحات الداكنة في القلب البشري حيث تتم الخيارات، وحيث يكون الإنسان إما منفتحًا وإما منغلقًا. وفي هذا المجال، يشكل فكر جون هنري نيومان دليلًا أكيدًا.

13 June 2009

الحقيقة المسيحية: دعوة إلى الحرية والعمل


في سبيل عقلانية منفتحة (6)

بقلم روبير شعيب

روما، مايو 2009 (Zenit.org). – الحقيقة التي يقدمها لنا الوحي المسيحي هي "شخص" و "حدث"؛ حدث يدعو الإله المثلث الأقانيم البشريةَ للاشتراك فيه. وبالتالي فالإيمان المسيحي والحقيقة المسيحية لا يمكن اختزالها بسلسلة من العقائد والأفكار والتراكيب النظرية، بل هي فعل "آمين"، فعل قبول وثقة وتقبّل يقوم به الإنسان جوابًا على "آمين" و "نعم" الله في يسوع المسيح. الحقيقة المسيحية هي مشروع شخصاني لا يتوجه إلى عقلنا فقط، بل أيضًا إلى إرادتنا، إلى مخيلتنا، إلى عواطفنا. وللدخول في تواصل غير مجزوء مع هذه الحقيقة، لا بد من تخطي نظرة العقل المحدود في أطر المنطق الحسابي.

لقد لاحظ اللاهوتي السويسري الكبير هانس أورس فون بالتازار أن تعريف الحقيقة كـ "مطابقة العقل والواقع" (veritas est adaequatio intellectus ad rem) (راجع الخلاصة اللاهوتية، 1، المسألة 16) الذي تقدمه الفلسفة المدرسية متأثرة بفكر أرسطو هي صحيحة في الإطار المبدأي، ولكنها لا تعطي الحقيقة حقها إذ تحصر اعتبارها لـ "البعد النظري للحقيقة" وتتجاهل البعد الشخصاني واشتراك الحرية والإرادة. في هذا التعريف للحقيقة يتم تسليط الضوء على الرباط بين "الحق والخير، كصفات متسامية للكائن، ولكن فقط في وجهة نظر أنتروبولوجية تعتبر تواجد العقل والإرادة جنبًا إلى جنب، بدل أن تعتبرهما بتداخلهما الصميم الواحد في الأخرى، لا بل بتماثلهما الحقيقي" (H.U. von Balthasar, “Teologia e santità”, in Verbum Caro. Saggi teologici, I, Milano 2005, 193).

بكلمات أخرى، يعتبر التعريف المذكور أعلاه "الحقيقة" بمعزل عن الواقع المعاش وعن إرادة الشخص البشري اللذين يلعبان دورًا أساسيًا في فعل القبول العقلاني لواقع الإيمان-الدعوة. فليس هو الجهل وحده الذي يمنعنا عن عيش الحقيقة – كما كان يعتقد سقراط – بل أيضًا المناطق الداكنة في كياننا، وعدم جهوزيتنا، وخطيئتنا.

بكلمات مبسطة يمكننا أن نفهم من اعتبار بالتازار أن المطابقة " adaequatio" قبل أن تكون عقلية هي مطابقة وجودية، شخصانية وأخلاقية. مقاربة الحقيقة المسيحية هي أمر مستحيل بمعزل عن انفتاحي الوجودي على الحدث المسيحي.

تجد قراءة بالتازار هذه مصادقة بيبلية في إنجيل يوحنا من خلال الثنائي المترابط "الحق-الحرية": يقول يسوع: "تعرفون الحق والحق يحرركم" (يو 8، 32). كما ويحوز مفهوم الحقيقة توضيحًا جزيلاً عبر المقاربة الهامة بين "الحقيقة" و "العمل" حيث يتحدث يسوع عن "عمل الحق" (poiein ten aletheian) و "المجيء إلى الحق" ( راجع يو 3؛ 1 يو 1، 6). يشرح يوحنا "فعل الحق" كقبول للإيمان بيسوع. وبعد أن يصرح بأن "النعمة والحق أتيا مع يسوع المسيح" (يو 1، 17)، يوضح يسوع الموقف الذي يتوجب على المرء أن يعيشه في حضرة الحقيقة (راجع يو 3، 21).

فعل الحق هو الشرط الأساسي للأدبيات المسيحية بحسب القديس يوحنا الإنجيلي. ففعل الحق لا يؤدي فقط إلى إصلاح وجودي فردي بل إلى إصلاح العالم، وهذا هو البعد الثوري للإنجيل الذي هو خميرة تغير وجه العالم. ومن هنا ندرك أن "الحقيقة" مرتبطة بـ "العمل، و "الإيمان القويم" (orto-dossia) يرتبط بشكل وثيق بـ "العمل القويم" (orto-prassi)، لأن الحقيقة المسيحية هي حقيقة "تُطبَّق" ولا "تُعرَف" وحسب.

الإنسان الذي يلتقي بحقيقة الله يتلقى الدعوة لعمل الحق (يو 3، 21) أي أن يلتزم بحريته وأن يسير بتدرج نحو الإيمان. وحده من يعمل الحق يتوصل إلى "معرفة الحق" (2 يو 1): هذه المعرفة هي نعمة تأتي من الله الآب ومن يسوع المسيح ابن الآب (2 يو 3). ومن ثم هذه المعرفة تجعل التلميذ "خاصة الحق"، فيعيش نوعًا من تواجد طبيعي مع الحقيقة التي تقيم فيه: هذه الحقيقة تجعله يصغي بطواعية لصوت يسوع (يو 18، 37) ويعيش المحبة نحو الإخوة (1 يو 3، 18 – 19) لأن الإقامة في الحق يجب أن يُترجم عمليًا في أعمال الحق (1 يو 3، 18).

خلاصة القول: يمكننا أن نقول أنه في العمل، في الاختبار الملموس، في عيش الحياة الداخلية بشكل متكامل، يدخل الله في حياة الإنسان ويعرف الإنسان حقيقة الله: لأن "العمل" هو "الوعاء الوحيد الذي يستطيع أن يستوعب هبة حقيقة الوحي الفائقة الطبيعة، التي تتوق إليها الإرادة، والتي يهبها الله للإنسان. وفقط عندما نعمل بهذه الحقيقة نكتشفها (راجع: R. Aubert, Le problème de lacte de foi. Données traditionnelles et résultats des controverses récentes, Louvain 1950, 281).

يحتل في هذا الإطار أهمية كبرى تفكير وعمل الفيلسوف الفرنسي المسيحي موريس بلوندل (Blondel) الذي يصرح بأن الإيمان الحق هو أكثر من العيش بحسب معرفة زائدة لا يملكها من لا يؤمن. ليس الارتداد بحسب نظرة بلوندل نوعًا من "الاقتناع العقلي بامتياز العقيدة" بل هو "السماح للحياة الجديدة أن تجري في عروقنا، هذه الحياة التي هي أسمى من حياتنا؛ ومن خلال موقف تواضعنا هذا أن نجذب الله إلى داخلنا" (Ibid., 287).

بعد أن استعرضنا بشكل مقتضب مختلف أوجه الحقيقة المسيحية، سنتوقف في الأقسام التالية من دراستنا على "الحواس" البشرية التي تمكننا أن نتقرب بشكل أفضل من الحقيقة بحسب المفهوم الذي عرضناه.

* * *

- روبير شعيب يعلم "الكريستولوجيا" و "مدخل إلى الفكر اللاهوتي الآبائي" في مدرسة الرسالة في فلورنسا إيطاليا، ويقوم حاليًا بكتابة أطروحة دكتورا في اللاهوت الأساسي في جامعة الغريغوريانا الحبرية في روما، ويواظب في إيطاليا ولبنان على إلقاء محاضرات ذات طابع بيبلي، روحي ثقافي ولاهوتي.

04 June 2009

الحقيقة المسيحية: دعوة إلى الإصغاء


في سبيل عقلانية منفتحة (5)

بقلم روبير شعيب

روما، الخميس 14 مايو 2009 (Zenit.org). – يسوع هو الحق وفي الوقت عينه هو "حامل" حقيقة يعيشها في حميمية علاقته بالآب، حقيقة حب الله، وانفتاح الحب نحو المشاركة مع البشر. لا يجب "التفتيش" عن هذه الحقيقة بل يجب الإصغاء لها وقبولها والطاعة لها. "ما يريد الله قوله للإنسان من خلال المسيح لا يمكن وضعه في أطر محددة، لا في العالم بوجه عام، ولا في الإنسان بوجه خاص: فهو واقع لاهوتي، وتحديدًا هو لاهوتي-براغماتيكي" (H.U. Von Balthasar, Solo lamore è credibile, Roma 2002, 7). إن الحقيقة التي هي شخص يسوع، والتي يفعلها يسوع والتي يحملها يسوع، تشكل انقطاعًا سرديًا في تاريخ الإنسان والكون، ولذا لا يستطيع الإنسان بأي شكل كان أن يستنتجها من الكون ولا أن يختزلها بجريان التاريخ. ما يجب عليه فعله هو أن يسمح لهذه الحقيقة أن تقوده إلى حدث "الله معنا" وإلى اللقاء مع هذه "الحقيقة-الحدث-الحب".

تظهر هنا جليًا أهمية المقاربة في فكر القديس يوحنا بين "الحقيقة" (aletheia) و "الإصغاء" (akouein). فيسوع يقول الحقيقة التي "سمعها" من الله: "إن الذي أرسلني هو حق، وما سمعته منه، أنا أقوله للعالم" (يو 8، 26؛ 15، 15)؛ "أنا أقول جميع ما علمني إياه الآب" (يو 8، 28)؛ ويقول يسوع الأمر نفسه بصدد روح الحق الذي "يتكلم من ذاته، بل يقول ما قد سمع" (يو 16، 13). والإنسان "الذي هو من الله، يسمع كلمات الله" (يو 8، 47).

لا يتحدث يوحنا البتة، بشكل ظاهر، عن وجوب إصغاء التلاميذ للحق، ولكن المقاربة بين مفهوم الحقيقة ومفهوم الكلمة يجعلنا ندرك أنه فقط من خلال الإصغاء النبيه لكلام المسيح يستطيع التلاميذ أن يؤمنوا: يجب عليهم أن يصغوا لكلمات يسوع (يو 5، 24؛ 8، 43)؛ وهذه الكلمات التي يصغون إليها، هي كلمات الآب الذي أرسل يسوع (يو 14، 24). من ناحية أخرى يقول يسوع: "من سمع لتعليم الآب وتعلم الحق، يأتي إليّ" (يو 6، 45).

وعليه فإن الوصول إلى الحق في فكر الإنجيلي يوحنا يتم بشكل خاص من خلال الإصغاء، وذلك بالرغم من الأهمية الخاصة التي يوليها الإنجيلي لفعل "النظر" وفعل "التطلع"، إلا أننا لا نجد أبدًا الربط بين الحق وهذه الأفعال: " blepein "، " theorein "، " theasthai "، " oran ". وهنا بالضبط نجد الفرق الشاسع بين الإيمان العبراني والمسيحي، وبين الفلسفة والتصوف الهيلينيين: فملء الخبرة الفلسفية اليونانية هو الثيوريا (theoria)، أي تأمل الحقائق الخفية؛ إلا أننا نجد أيضًا فرقًا شاسعًا بين الفكر الكتابي والفكر الحديث، فكر التمحص والتبحر المخبري، والفكر ما بعد الحديث، وبشكل خاص مفهوم الحقيقة بالنسبة لوسائل الإعلام المرئي والمسموع، حيث يتم التركيز بشكل خاص على النظر الظاهري، في إطار يمكننا تسميته "ديكتاتورية النسبوية التوافقية". بينما النظرة البيبلية، وملء الخبرة الدينية في هذه الحياة الأرضية هو الإصغاء (إصغاء الإيمان: auditus fidei) الذي يتحدث عنه بولس في روم 10، 17: الإيمان من السماع (he pistis ex akoes) من سماع التبشير بالمسيح.

وهذا الاستشهاد البولسي ليس الوحيد في هذا الإطار، فبولس يوضح أن رؤية الإيمان في هذه الحياة هي "كما في مرآة" (1 كور 13، 12)، فنحن "نسير بالإيمان، لا بالعيان" (2 كور 5، 7)، ومسيرتنا نحو رؤية أكمل، نحو معرفة أكمل نحو ما يعرف بـ "الرئية الطوباوية" في السماوات (visio beata). على المسيحيين، إذا ما أرادوا الولوج في حميمية الحقيقة الإلهية أن يصغوا "لكلام الحق، إنجيل خلاصهم" (أف 1، 13؛ راجع أيضًا كول 1، 5). ويستنكر الرسول موقف من "يرفض الإصغاء للحق ويميل سمعه للخرافات" (2 تيم 4، 4).

هذا وتتحدث رسالة بطرس الأولى عن "الطاعة للحق": "من خلال طاعتكم للحق (en te hupakoe tes aletheias) قدسوا نفوسكم" (1 بط 1، 22)، دون أن ننسى أن يسوع نفسه، في ظهوره لتوما يعلن: "طوبى للذين لم يروني وآمنوا" (راجع يو 20، 29).

نرى إذًا أن الحقيقة المسيحية تدعو الإنسان الحديث والمعاصر إلى إعادة النظر في شروط قبوله للإيمان. فإذا ما بقي متشبثًا بأطر الفحوصات المخبرية والبراهين المرئية والبحتة ضيع إمكانية إدراك حقيقة تتوجه لا إلى العقل المخبري وحده بل إلى كيان الإنسان بأسره، حقيقة لا عقلية بل أكثر من ذلك، حقيقة شخصية، شخصانية، وجودية وخلاصية.

02 June 2009

الحقيقة المسيحية: حوار يبدأه الله


في سبيل عقلانية منفتحة (4)

بقلم روبير شعيب

روما، الثلاثاء 12 مايو 2009 (Zenit.org). – نقرأ في قصيدة شهيرة للمتصوف المسلم أبو المغيث الحسين بن منصور، المعروف باسم "الحلاج":

"لبيك لبيـك يـا سـري ونجوائـي

لبيك لبيـك يـا قصـدي ومعنائـي

أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهـل

ناديـت إيـاك أم ناديـت إيـائـي"

تعبر هذه الكلمات بشكل واضح عن موقف المرء نحو الحقيقة في أديان الوحي الأبراهيمية: ليس الإنسان البادئ في الحوار مع الله، بل هو الله الذي ينادي ويجذب ويفتن.

هذا المفهوم للحقيقة التي تأتي صوب الإنسان يجد التعبير الأسمى في المسيحية حيث يأتي الله لا بكلمة لفظية أو فكرية وحسب، بل بكلمة "شخصانية" متجسدة، في يسوع المسيح الآخذ صورة الإنسان.

وهذا الإطار يختلف كليًا عن موقف التصوف الهيليني، ويختلف كليًا عن مفهوم الحقيقة الذي نراه في العصر الحديث.

الموقف المسيحي نحو حقيقة الله ليس في المقام الأول توقًا للوصول إلى الحق، بل هو موقف قبول لـ "معرفة الحق" (يو 8، 32؛ 2 يو 1) وللـ "إقامة" في الحق بالإيمان. الله هو القائم بالخطوة الأولى نحو الإنسان، هو "من أحبنا أولاً" (1 يو 4، 19). والمسيحي يتوق لكي "يكون في الحق" (يو 18، 37؛ 1 يو 3، 19) الحقيقة التي تأتي إلى الإنسان وتنصب خيمتها بين البشر (راجع يو 1، 14). ليست الحقيقة واقعًا بعيدًا يترتب على النفس أن تتوق إليها بجهد جهيد، وليست موضعًا ينبغي على الروح أن يتعمق بسبره عبر إعمال العقل؛ "الحقيقة هي جوهريًا كشف يجب على الإنسان أن يقبله بالإيمان؛ وبهذا الشكل تضحي هذه الحقيقة قاعدة حياة، قيمة أخلاقية، ينبغي عليها أن تنير وتحول كل وجوده" (I. De La Potterie, La vérité dans saint Jean, op. cit., 26).

فقط بعد قبول هذه الهبة الأولية والمجانية، يترتب على الإنسان أن "يعمل الحق" (يو 3، 21؛ 1 يو 1، 6)، وأن "يسير في الحق" (يو 4، 23 – 24)، وأن "يتكرس بالحق" (راجع يو 17، 17 . 19)، وأن "يحب بالحق" (2 يو 1؛ 3 يو 1) وأن يكون "شريكًا في عمل الحق" (3 يو 8).

إذا ما أردنا أن نستعمل تعابير العصر الوسيط، يمكننا أن نقول أن "التوق الطبيعي إلى رؤية الله" (desiderium naturale videndi Deum)، الذي يعتبر فلاسفة ولاهوتيو العصر الوسيط أنه التوق الأعمق والأثبت في الإنسان، يبقى بحد ذاته "توقًا عقيمًا" (desiderium inefficax)، و "نزعة عمياء في النفس" ما لم يكشف الله عن ذاته ويهب ذاته للإنسان في الإيمان؛ التوق بحد ذاته، قبل مبادرة الله ليس توقًا كاملاً أو نزعة كاملة (appetitus perfectus) بل مجرد "ميل سلبي أو انفعالي" (aptitudo passiva)، والتواصل الحق بين رغبات الإنسان وتحقيقها يتم فقط عندما يهب الله نعمة الإجابة على دعوة الله (cf. H. De Lubac, “Surnaturel. Études historiques”, “Le mystère du surnaturel”. Cf. H.U. Von Balthasar, Il padre Henri de Lubac. La tradizione fonte di rinnovamento, Milano1978, 75-79).

إذا جاز التعبير، يمكننا أن نقول أن الموقف المسيحي تجاه الحقيقة يجب أن يكون موقفًا أنثويًا، بمعنى التخلي عن رغبة السيطرة المتمثل بتملك الحق، وتفضيل موقف الطواعية والقبول الذي يسمح للحق أن يزور الإنسان وأن ينفذ إلى باطنه وأن يعانقه، بحيث يضحي رحمًا يستطيع الحق أن ينصب خيمته فيه. يتحدث الأب تيار دو شاردن عن موقف "إنفعالية النمو" (passivité de croissance) (راجع: P.T. De Chardin, Le milieu divin. Essai de vie intérieure, Paris 1957, 61-91).

إن قبول الإيمان هو موقف بتولي ومريمي، يمكننا أن نطبق عليه كلمات القديس غريغوريوس النيصصي القائل: "ما تم في مريم بحسب الجسد، يجب أن يتم في كل مسيحي بشكل روحي (بحسب اللوغوس - kata logon)" (راجع: Gregorio di Nissa, De virginitate 2; PG 46, 324b).

يجب علينا أن نفهم الحقيقة-الدعوة المسيحية كـ "حدث"، كواقع تحتل فيه أهمية خاصة الـ "جشتالت" (البنية أو الصورة - Gestalt) (راجع: H.U. Von Balthasar, La Gloire et la croix. Les aspects esthétiques de la Révélation, I, Apparition, Alençon 1990). الحقيقة-الدعوة هي ركيزة الأمور الأخيرة، وهي تهب نفسها في جشتالت يسوع، في مجد الحب المصلوب، في جدلية الكشف والإخفاء المتضمن في الوحي – فالوحي (Revelatio) هو في الوقت عينه كشف (revelatio) وإعادة ستر (re-velatio). وفي اعتلان بنية الحب المرئي يرى الإنسان الله اللامرئي. ولكن في هذه الحالة لا يكون الإنسان سيد الحقيقة بل متقبلاً متواضعًا لها، لا يشكل هو وجه الحقيقة، بل تعطيه الحقيقة شكله وبنيته وصورته الحقة، ويستطيع أن يقول: "أنا محبوب إذًا أنا موجود"، أو بشكل أبسط: "أنت موجود إذُا أنا موجود" (Tu ergo sum).

معرفة (connaissance) الحقيقة-الدعوة هي خبرة اعتراف (re-connaissance)، خبرة انخطاف، خبرة خروج من الذات (ex-tasis). أمام "حب الله المجنون" (eros manikon) الذي يتحدث عنه الآباء اليونان، الإنسان مدعو لكي يشهد لهبة الذات الدائمة التي يقوم بها الحق من خلال اعتراف وانخطاف وانجذاب في حضرة الحب الفائض المتجلي في هبة المسيح لذاته "ونحن بعد خطأة".

يقدم الفيلسوف الفينومينولوجي الفرنسي جان لوك ماريون إسهامًا هامًا في هذا الإطار عندما يبين أن خبرة الإنسان للواقع هي خبرة تتميز دومًا بالتواصل مع ما يتصف دومًا بطابع المجانية والهبة. ويعتبر ماريون أن وجود الشخص البشري غير ممكن دون هذه الهبة الأولية. ويعتبر ماريون أن هناك واقع جوهري في علاقة الإنسان بالحقيقة لا يستطيع أحد أن يتجاوزه: هناك شيء ما يُعطى لأحد ما. فالإنسان لا يظهر في المقام الأول كفاعل في فعل المعرفة، بل أكثر من ذلك بكثير، كغاية ومستقبل لهبة مجانية. ويبتكر ماريون تعريفًا جديدًا للإنسان "المعطى-إليه" (là-donné) (Cf. J.L. Marion, Dato che. Saggio per una fenomenologia della donazione, Torino 2001).

أن يعي الإنسان ذاته يعني أن يعي أن هناك علاقة تكونه، وأن يعترف بهذه الهبة من خلال الاعتراف بذاته: أنا موجود بمقدار ما أنا معطى-إلى-ذاتي. إذا ما أعدنا النظر بالأنثروبولوجيا التي تقدمها لنا الفلسفة الحديثة نجدنا أمام أنثروبولوجيا مختلفة بالتمام: لسنا بصدد "أنا أفكر إذًا أن موجود" بل بصدد "هناك من يفكر بي، إذًا أنا موجود". ركيزة وجودي ليس وجودي أنا بل ذاك الذي يدعوني إلى الوجود، الله، ركيزة كل وجود الذي دعاني فكنت، ويدعوني فأكون.

15 May 2009

A proposito di Immigrati... no comment!


"Generalmente sono di piccola statura e di pelle scura. Molti puzzano perche tengono lo stesso vestito per settimane. Si costruiscono baracche in periferie. Quando riescono ad avvinarsi al centro affittano a caro prezzo appartamenti fatiscenti. Si presentano in due e cercano una stanza con uso cucina. Dopo pochi giorni diventano quattro, sei, dieci. Parlano lingue incomprensibili, forse antichi dialetti. Molti bambini vengono utilizzati per chieder l'elemosina, spesso davanti alle chiese donne e uomini e anziani invocano pietà con toni lamentosi e petulanti. Fanno molti figli che faticano a mantenere e sono assai uniti fra di loro. Dicono che siano dediti al furto e se ostacolati, violenti. Le nostre donne li evitano sia perchè sono poco attraenti e selvatici sia perchè è voce diffusa di stupri consumati quando le donne tornano da lavoro. I governanti hanno aperto troppo gli ingressi alle frontiere ma, sopratutto, non hanno saputo selezionare tra coloro che entravano nel paese per lavorare e quelli che pensavano di vivere di espedienti o, addirittura, attività criminali".

DALLA RELAZIONE DELL'ISPETTORATO PER L'IMMIGRAZIONE DEL CONGRESSO AMERICANO SUGLI IMMIGRATI ITALIANI,

OTTOBRE 1912